هذا هو الأمير السعودي الذي تعرض موكبه للسرقة في باريس

هذا هو الأمير السعودي الذي تعرض موكبه للسرقة في باريس

اختار الاستجمام بمياه إيبيزا بدل تجشم عناء البحث عن الجناة 
كان «فأل خير» بالنسبة لوالده، الملك السعودي الراحل فهد بن عبد العزيز. لكن في يوم 17 غشت، بباريس، خالف الحظ موعده مع الأمير عبد العزيز بن فهد؛ حينما سرق منه مبلغ 250 ألف أورو نقدا، ومجموعة من الحلي والساعات الفاخرة، إضافة إلى وثائق خاصة، قد تكون جد حساسة، على يد عصابة جد محترفة على مشارف بوابة «لاشابيل». هذا الحادث لم يمنع الميليادير السعودي من التحليق على متن طائرته الخاصة في ليلة وقوع الحادث نفسها، متوجها إلى جزيرة إيبيزا بإسبانيا رفقة الحاشية الكبيرة المحيطة به. وبصفته رجل أعمال معروف بذوقه الفاخر، استفاد الأمير السعودي من فترة استجمام بعرض البحر تليق بمقامه، بما في ذلك ركوب الموج على متن الـ «جيت سكي»، والسباحة في البحر، محاطا بزمرة كبيرة من الحراس الشخصيين.
وحدة الكوموندو التي نفذت عملية السطو قامت بذلك باحترافية ودقة شبه عسكرية. ففي ليلة الأحد 17 غشت، وبينما كان الليل يرخي ستاره، كانت سيارتان من نوعية «BMW» بصدد تعقب موكب الأمير بالضاحية الشمالية لباريس؛ إحداهما كانت رباعية الدفع من صنف «بي إم دبليو إكس 5»، والأخرى من صنف « بي إم دبليو إم 5»، ذات المحرك النفاث، والقادرة على السير بسرعة 250 كيلومتر في الساعة. وعلى مشارف «لاشابيل»، سلكت السيارتان الجسر المؤدي إلى الطريق السيار شمالي مدينة باريس. وداخل هذا المكان الخالي من البشر الذي تسود فيه العتمة، والمحاط بالإسمنت من كل جانب، عمد أصحاب السيارتين إلى محاصرة سيارة من نوع «ميرسيدس فيانو» سوداء اللون، وذات زجاج داكن. ومن داخل سيارتي «BMW» خرجت مجموعة تضم نحو ستة أشخاص مقنعين ومدججين بالأسلحة. قاموا بوضع مسدس فوق صدغ السائق، ونجحوا في السطو على السيارة، بعدما قاموا برمي الأشخاص الثلاثة الذين كانوا بداخلها إلى الخارج (السائق الذي يحمل الجنسية الفرنسية اللبنانية، وحارسا شخصيا، وضابطا ضمن القوات المسلحة السعودية)، ليفروا بعد ذلك في اتجاه الطريق السيار، الرابط بين مدينتي باريس وليل. هذه الهجمة التي نفذت بعناية شديدة لم تتطلب سوى بضع دقائق، ولم يتم خلالها إطلاق ولو رصاصة واحدة.
الحادث تسبب في حالة استنفار شديدة. بباريس كانت وزارة الخارجية هي الجهة التي أرسلت التحذير إلى قوات حفظ الأمن، ليتم استنفار فرقة مكافحة الجريمة بالدائرة الـ 18 بباريس، إضافة إلى حافلة ممتلئة عن آخرها بعناصر الشرطة بالزي الرسمي. أما السبب وراء حالة الاستنفار فهو أن سيارة المرسيدس، التي تم استئجارها من ألمانيا، ليست هدفا مثل باقي الأهداف الأخرى. فضمن موكب يتألف من 13 سيارة أخرى، كانت المرسيدس تقل الأمتعة الثمينة للأمير السعودي عبد العزيز بن فهد، الذي كان في طريقه من أجل الالتحاق بطائرته الخاصة بمطار «بوجي». وبصفته الابن المفضل لدى العاهل السعودي الراحل الملك فهد، يعد هذا الملياردير البالغ 41 عاما أحد الأشخاص النافذين بالمملكة العربية السعودية، ومن بين أغنى أغنياء العالم. ساعة بعد عملية السطو، تم العثور على سيارة الـ «إم 5» والمرسيدس تحترق وسط لهيب من النيران بالقرب من حقل للذرة، لا يبعد عن العاصمة باريس سوى بـ 35 كيلومترا. المصير نفسه ستلاقيه سيارة الـ «إكس 5»، بعدما تم العثور عليها محترقة بضواحي منطقة «بارسي». وبالتالي، تم التخلص من جميع الخيوط التي قد تقود لاكتشاف هوية الجناة، لأن حرق السيارات سيجعل من المستحيل بالنسبة للمحققين التعرف على البصمات أو العثور على أي آثار للحمض النووي بداخل السيارات. وبعد تمكنهم من نقل الممتلكات التي قاموا بالسطو عليها، يبدو أن الأشخاص الذين نفذوا العملية قد قاموا بالتنقل على متن عربة أخرى كان يقودها شخص آخر متواطئ في تنفيذ العملية. «إنه عمل في غاية الاحترافية، نفذه أشخاص جد مدربين، وعلى دراية بكافة المعلومات»، يلاحظ شرطي يشارك في إنجاز التحقيق. «هذه النوعية من العمليات لا تقتسم أي شيء مع ما يقوم به صغار اللصوص الذين يستخدمون الدراجات النارية لاستهداف سيارات السياح الأغنياء على مشارف بوابة «لاشابيل». نحن هنا أمام عصابة حقيقية للسطو المسلح، أو «النمور الوردية»؛ الجنود السابقون بدول أوربا الشرقية الذين تحولوا إلى لصوص دوليين.»
وثائق «حساسة»
الغنيمة التي تمكن الجناة من السطو عليها كانت جد هزيلة بالنسبة لـ «فريق كبير»؛ حيث نجحوا في سلب مبلغ 675 ألف أورو، بينها مبلغ 250 ألف أورو نقدا، وعدد من الحلي والساعات الفاخرة، حسب ما نقلته صحيفتا «لوفيغارو» و»لوباريزيان». وضمن متاع الأمير السعودي، فقد تم كذلك السطو على عدد من الوثائق. فهل تكون تلك الوثائق هي الهدف الحقيقي وراء تنفيذ عملية السطو الكبيرة هذه؟ «عندما دخل رجال فرقة مكافحة الجريمة على الخط، أبانت سفارة المملكة العربية السعودية، التي كنا على اتصال بها، عن انشغال أكبر بخصوص مصير هذه الوثائق وأدوية الأمير، ولم تعر اهتماما كبيرا للمبالغ المالية التي تمت سرقتها»، حسب تصريح لروكو كونتينتو، ممثل نقابة الشرطة بمنطقة باريس أدلى به لمجلة «باري ماتش». وحسب شائعات لم يتم التأكد من صحتها مصدرها العاصمة السعودية الرياض، فإن سندات خزينة تصرف لـ «حاملها»، تصل قيمتها إلى 200 مليون دولار، يمكن أن تكون قد كانت من بين الوثائق التي تمت سرقتها، ويمكن أن يتم استغلالها من أجل طلب الحصول على «فدية». كما ذكر الخبراء المختصون في شؤون منطقة الخليج العربي بكون الأمير عبد العزيز بن فهد هو من يسهر على تدبير عدد من الملفات المهمة التي تجمع بين فرنسا والمملكة العربية السعودية، سيما في مجال التسليح. في المقابل، هناك العديد من المفاوضات الاستراتيجية التي يتم التفاوض بشأنها في الوقت الراهن. كما أن ولي العهد السعودي سلمان بن عبد العزيز، الرجل رقم اثنين داخل المملكة ووزير الدفاع، سيحل مستهل هذا الشهر بباريس من أجل لقاء سيجمعه بالرئيس الفرنسي، فرنسوا هولاند، إضافة إلى فريق من المصنعين الفرنسيين العاملين في مجال التسليح بغية التوقيع على الصيغة النهائية لعدد من الصفقات. وتأتي هذه الزيارة في الوقت الذي تستعد فيه فرنسا لإتمام صفقة ضخمة تصل قيمتها إلى 2.2 مليار أورو، وتهم تسليم فرنسا شحنة من الأسلحة لفائدة الجيش اللبناني، قامت المملكة العربية السعودية بتمويلها في إطار مساعدة منحتها للبنان. فهل يتعلق الأمر بحادث سرقة خالص، أم بعملية نفذتها المصالح الاستخباراتية السرية، أم بتنافس من أجل الحصول على العمولات، أم بنزاعات بداخل الأسرة الحاكمة؟ جميع الفرضيات والاحتمالات تظل مفتوحة؛ حتى في الوقت الذي تواصل سفارة المملكة العربية السعودية بباريس إنكارها وجود وثائق «حساسة» بين المسروقات.
بداية شهر غشت، وبعد انقضاء شهر رمضان مباشرة، وفي الوقت الذي تشهد فيه الرياض ارتفاعا كبيرا لدرجات الحرارة، كان الأمير عبد العزيز بن فهد قد بدأ جولته الصيفية بأوربا، التي استهلها بزيارة فرنسا، كما دأب على القيام بذلك في كل عام. ورغم أنه يمتلك شقتين فاخرتين تقعان بمقاطعة نويي، واللتان نادرا ما يحل بهما، فقد مكث طيلة ثلاثة أسابيع بفندق «جورج الخامس»، أحد الفنادق الفخمة المفضلة لديه، التي يملكها ابن عمه الأمير الوليد بن طلال. وأدى فاتورة تصل إلى 23 ألف أورو لليلة مقابل شقة خاصة داخل الفندق تليق بمقامه الملكي، بالإضافة إلى حجزه عشرات الغرف لفائدة الوفد المرافق له، وكذا حصوله على خدمة الغرف الخاصة وعلى المقاس ورهن الإشارة 24 ساعة على 24. «بالفنادق الباريسية، لا توجد سوى حفنة صغيرة من الزبناء الذين في وسعهم عيش حياة ترف كهذه، وهو ما ينطبق تقريبا على جميع أفراد العائلة الملكية السعودية، يعلق أحد المختصين في استقبال الأغنياء من الشخصيات المهمة، قبل أن يضيف: يمتلك أصحاب المقام الرفيع هؤلاء منازل بمختلف أصقاع العالم. لكنهم يفضلون الفنادق الفخمة، التي يحسون بداخلها بأمان أكبر والتي يتم بداخلها تلبية جميع طلباتهم بسهولة». وبالنسبة لأمراء الشرق الأوسط الذين يلتزمون بتعاليم الإسلام بشكل صارم، فإن مكوثهم بفرنسا يخضع لتوجيهات جد دقيقة. «كل شيء يجري داخل الغرف، التي يخرجون منها نادرا، يحكي عامل بأحد أكبر الفنادق. الرجال والنساء يعيشون داخل أجنحة مفترقة. ومن أجل الحفاظ على المظاهر، يطلبون منا أن نقدم لهم شراب الويسكي في أباريق الشاي والنبيذ الأحمر داخل قنينات المشروبات الغازية.» وبسبب حبه لفرنسا ومختلف المتع التي توفرها، جلب الأمير عبد العزيز الكثير من الأنظار بسبب ذوقه الصارخ. يمتلك هذا الأخير طائرتين من نوع بوينغ تم تحويلهما إلى طائرتين خاصتين وطائرة «بومبارديي شالنجر» ذات حجم أصغر، ولا يجد مانعا من الظهور على متن سيارته من نوع «رينج روفر» المطلية بالذهب أو سيارة «بوغاتي فيرون» النادرة والتي يصل سعرها إلى 2 مليون أورو. وحينما يحل بباريس، يصعب عليه، كما هو الحال بالنسبة لكثير من أقرانه بالشرق الأوسط، مقاومة عدم الذهاب إلى منطقة «مثلث الذهب» القريبة من شارع الإليزيه، حيث توجد ثلة من المحلات التجارية الفاخرة. كما أن له عاداته الخاصة بفندق «فوكيتس» الفاخر، حيث يحجز جناحا خاصا يحل به في وقت متأخر من الليل، قبل الذهاب إلى النوم في فندق «جورج الخامس» حوالي الساعة الثانية أو الثالثة صباحا.
سرقة ونهب، أم فعلة جهة معينة!؟
يوم 17 غشت، وفي اللحظة التي تم فيها تنفيذ عملية السطو المسلح، غادر الأمير باريس من أجل مواصلة عطلته بجزيرة إيبيزا. وبهذه الجزيرة الإسبانية كان في انتظاره «الأمير عبد العزيز»، اليخت السابق الذي كان في ملكية والده الملك فهد، والذي يعد قصرا يطفو فوق سطح الماء بطول يصل إلى 147 مترا، والمتوفر على منصة لهبوط طائرات الهيلكوبتر وصواريخ مضادة لصد الهجمات الجوية. ويعد وصول هذا القارب، الذي ظل حتى وقت قريب أكبر قارب للاستجمام في العالم، حدثا استثنائيا يتم الاحتفال به كل سنة بجزر البليار. ولا تجد الصحافة المحلية أي مانع في نقل مغامرات الأمير، القادر على ترك 80 ألف كبقشيش بعد تناوله وجبة طعام، أو جلب العشرات من سيارات المرسيدس من ألمانيا من أجل نقل أمتعته الخاصة. وبصفته الابن الأصغر لخادم الحرمين الشريفين الملك فهد، الذي قام ببناء المملكة العربية السعودية الحديثة، فقد كان الأمير عبد العزيز بن فهد الابن المفضل لدى والده، لأن العاهل السعودي وبسبب قناعاته الشخصية كان يعتبره «فأل خير». كان هذا الأخير يجلسه دائما على يمينه، ويأخذه معه في جميع أسفاره الرسمية؛ وقد تم تعيين الأمير، حين بلوغه 26 سنة، وزيرا بدون حقيبة قبل أن يعهد إليه تسيير الديوان الملكي. وبعد رحيل والده، في العام 2005، تم تجريده من وظائفه الرسمية وفقد جزءا من النفوذ الذي كان يتمتع به. لكنه مازال يحظى، حسب الصحفي أنطوان صفير، بـ «عطف خاص» لدى العاهل الحالي عمه الملك عبد الله. وتجمعه علاقات عمل وصداقة خاصة بسعد الحريري، ابن رئيس الوزراء اللبناني رفيق الحريري الذي تعرض للاغتيال، فضلا عن كونه من أحد أكبر أصدقاء الرئيس الفرنسي الأسبق جاك شيراك. علاوة على ذلك، يعد الأمير من بين كبار رجال الأعمال؛ فهو يمتلك نصف أسهم مجموعة «إم بي سي» العاملة في القطاع السمعي البصري، والتي تمتلك قناة «العربية» للأخبار، المنافسة لقناة «الجزيرة»، ويمتلك ثروة ضخمة، بما فيها عدد من الأملاك العقارية تقدر قيمتها بنحو 5 ملايير أورو بالولايات المتحدة الأمريكية، إضافة إلى العديد من القصور بالرياض، ومنزل قيمته 125 مليون أورو يقع بـ «كينسينيطون بلاص غاردن»، الشارع الذي يقيم بها أصحاب الثروات الطائلة بلندن، وفيلا فرعونية بـ «فيرلي هيلس»، حيث يقيم مشاهير هولييود. وفي العام 2010، عمق القضاء الأمريكي البحث والتحقيق في حياة الترف هذه بمدينة نيويورك بعدما تم توجيه التهمة لأحد كبار خدمه بالقيام باغتصاب عاملة بأحد الفنادق.
بباريس، وفي محاولة لكشف هوية الأشخاص الذين نفذوا عملية السطو وتحديد الشخص الذي قام بمدهم بالمعلومات حول الموكب الأميركي، سيتعين على محققي فرقة مكافحة الجريمة الوقوف طويلا عند ما سيدلي به الأشخاص العاملون لدى الأمير من تصريحات، بالإضافة إلى تصريحات موظفي السفارة السعودية. أما بالنسبة للأمير عبد العزيز بن فهد، فهذا الأخير لا يعير أدنى اهتمام للمال الذي سرق منه؛ إذ لم يقم بتسجيل أي شكاية رسمية.
 *عن مجلة «باري ماتش»

تسمية 2

loading...

المشاركات الشائعة